التنس ليست مجرد مباراة بين مضربين وكرة صفراء. هي لعبة تحمل تاريخًا يمتد لقرون، وقواعد تبدو غريبة لأول وهلة لكنها مدروسة بعناية. من تسلية أرستقراطية على العشب إلى مواجهات عالمية تحسمها نقطة واحدة، تطورت التنس لتصبح واحدة من أكثر الرياضات إثارة وانضباطًا. والأهم أن نظام نقاطها غير التقليدي هو جزء أساسي من شخصيتها، وليس مجرد تفصيلة عابرة.
بدايات التنس تعود إلى فرنسا في العصور الوسطى، حين كانت تُلعب لعبة تُسمى jeu de paume، وتعني لعبة راحة اليد، حيث كان اللاعبون يضربون الكرة بأيديهم قبل أن يظهر المضرب لاحقًا. مع مرور الوقت تطورت اللعبة إلى نسخة داخلية عُرفت باسم real tennis، وكانت تُمارس في صالات مغلقة وبقواعد مختلفة قليلًا عن النسخة التي نعرفها اليوم.
التحول الحقيقي جاء في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، عندما بدأت اللعبة تُلعب على العشب وأُطلق عليها اسم lawn tennis. تم وضع قواعد أكثر وضوحًا، واعتماد ملعب مستطيل بأبعاد محددة، ليصبح الشكل الذي نراه اليوم في البطولات الكبرى. بطولة ويمبلدون التي انطلقت في سبعينيات القرن التاسع عشر كانت نقطة الانطلاق الفعلية لانتشار التنس عالميًا.
مع دخول القرن العشرين، انتقلت اللعبة إلى الولايات المتحدة وأستراليا وباقي أوروبا، ثم شهدت طفرة كبيرة مع السماح للمحترفين والهواة بالمشاركة في البطولات الكبرى خلال ما يُعرف بالعصر المفتوح، لتتحول التنس من رياضة نخبوية إلى صناعة رياضية عالمية تجذب الملايين.
عندما تشاهد مباراة تنس لأول مرة، قد تتساءل لماذا تبدأ النتيجة بـ Love ثم 15 و30 و40 بدلًا من 1 و2 و3. هذا النظام يعود إلى جذور تاريخية قديمة، ولا يوجد تفسير قاطع واحد، لكن المتفق عليه أن هذا التسلسل أصبح جزءًا من هوية اللعبة.
في الجيم الواحد، يحتاج اللاعب إلى أربع نقاط للفوز، بشرط أن يتقدم بفارق نقطتين. عند الوصول إلى 40-40 يُطلق على الحالة اسم deuce، وهنا يبدأ التوتر الحقيقي. من يفوز بالنقطة التالية يحصل على advantage، وإذا فاز بالنقطة التي بعدها يحسم الجيم. أما إذا خسرها، يعود التعادل من جديد. هذه الدائرة قد تستمر عدة مرات، وهو ما يجعل كل نقطة حاسمة نفسيًا قبل أن تكون فنية.
هذا النظام يمنح المباراة طابعًا دراميًا خاصًا. فحتى لو كان أحد اللاعبين متقدمًا، يمكن لنقطتين فقط أن تعيدا كل شيء إلى نقطة الصفر. التنس هنا تختبر الأعصاب بقدر ما تختبر المهارة.
الصورة الكاملة لمباراة التنس تُبنى تدريجيًا. النقاط تُكوّن جيم، والجيمات تُكوّن سيت، والسيتات تُكوّن المباراة. عادة يفوز اللاعب بالسيت عندما يصل إلى ستة جيمات مع فارق جيمين. وإذا وصل اللاعبان إلى 6-6، يتم اللجوء إلى tiebreak في معظم البطولات لحسم السيت بسرعة ومنع الامتداد الطويل.
المباريات في أغلب البطولات تُلعب بنظام الأفضل من ثلاث سيتات، بينما في بعض البطولات الكبرى للرجال قد تمتد إلى خمس سيتات. هذا ما يفسر لماذا قد تستمر بعض المباريات لساعات طويلة، إذ لا يكفي التفوق البدني وحده، بل يحتاج اللاعب إلى إدارة ذكية للطاقة وتركيز ذهني مستمر.
في النهاية، التنس ليست لعبة حسابات معقدة بقدر ما هي لعبة إيقاع. كل نقطة تُلعب وكأنها فرصة مستقلة، لكن مجموع هذه اللحظات الصغيرة هو ما يصنع الأبطال. وربما لهذا السبب تحديدًا، بقيت التنس واحدة من أكثر الرياضات احترامًا وهيبة عبر التاريخ.