تزدحم السيارات الحديثة اليوم بحزم برمجية وتقنيات رقمية تفوق استيعاب معظم السائقين. ورغم أن هذه التكنولوجيا جعلت المركبات أكثر أماناً من أي وقت مضى—حيث نجحت أنظمة منع الاصطدام الأمامي في خفض حوادث الاصطدام الخلفي بنسبة تبلغ 50%—إلا أن بعض هذه الأنظمة لم يكن مفيداً بالقدر المتوقع، بل تحول إلى مصدر تشتيت داخل المقصورة لعام 2026.
تُظهر البيانات الميكانيكية أن أنظمة مثل التحذير من مغادرة المسار ومراقبة النقاط العمياء تقدم فوائد ملموسة لسلامة المركبات والمشاة على حد سواء. ولكن الأمور تصبح أكثر تعقيداً وهشاشة عندما تتولى البرمجيات مساحة أكبر من القيادة، بالتزامن مع استبدال الأزرار الفيزيائية بشاشات لمسية عملاقة تشغل السائق عن الطريق.
وفقاً لتصريحات جيسيكا جيرماكيان، نائبة رئيس أبحاث المركبات في معهد التأمين للسلامة على الطرق السريعة (IIHS)، فإن هناك فجوة واضحة عند الانتقال إلى مستويات أعلى من أتمتة القيادة، مثل نظام مثبت السرعة التكيفي (ACC) وتقنية التمركز في المسار.
عند تحليل البيانات الهندسية والميدانية، أكد المعهد عدم رصد أي فائدة حقيقية تمنحها هذه الأنظمة لسلامة القيادة؛ بل على العكس تماماً، تبين أن هذه التكنولوجيات تجعل السائقين أكثر عرضة لتشتت الانتباه والانخراط في مهام ثانوية (كالتصفح أو إدخال البيانات) لاعتقادهم الخاطئ بأن السيارة تقود نفسها.
ولإبقاء السائقين في حالة يقظة، يرى الخبراء أن الحل يكمن في دمج تقنيات مضادة مثل أنظمة مراقبة السائق، والتي تعتمد على كاميرات داخلية وخوارزميات ذكية لرصد تشتت العين أو أعراض النعاس، وإجبار القائد على التركيز بدلاً من التنقل بين قوائم شاشة المعلومات والترفيه المعقدة.
تسعى الحكومات وشركات التأمين وصناع السيارات جاهدين لتقليص الوفيات الناجمة عن القيادة تحت تأثير المشروبات أو المخدرات. ورغم وجود قانون في الولايات المتحدة يلزم بتجهيز جميع السيارات الجديدة بنظام كشف تشتت السائق وإعاقته بحلول عام 2027، إلا أن التكنولوجيا الحالية لا تزال بعيدة عن الجاهزية المطلوبة.
وفي تقرير حديث رُفع إلى الكونجرس الأمريكي، تبين عدم وجود أي تقنية مدمجة داخل المركبات يمكنها قياس نسبة الكحول في الدم أو التنفس بشكل سلبي حتى الآن، كما أن الأنظمة القائمة على المستشعرات السلوكية غير جاهزة هندسياً للدمج التجاري في السيارات المتاحة للعامة. ورغم هذه الفجوة التقنية، يخطط معهد IIHS لرفع معايير جائزته الشهيرة Top Safety Pick+ لتشمل اختبارات كشف ضعف تركيز السائق، بهدف تقليص وفيات الطرق بحلول عام 2030.
تبرز أنظمة المساعد الذكي للسرعة (ISA) كأحد الحلول البرمجية الفعالة لدعم قرارات القيادة الآمنة؛ حيث يمتلك ثلثا مركبات طراز 2025 و2026 التي اختبرها المعهد شكلاً من أشكال هذه التقنية التي تعرض حدود السرعة القانونية في لوحة العدادات الرقمية أمام السائق مباشرة.
ومع ذلك، فإن وصول هذه المزايا لجميع السيارات يحتاج إلى وقت طويل؛ حيث يبلغ متوسط عمر المركبات الحالية على الطرق حوالي 13 عاماً. وتؤكد جيرماكيان أنه حتى لو جرى دمج هذه التقنيات في كل سيارة تخرج من المصنع اليوم، فإننا لا نزال على بعد سنوات طويلة من رؤية غالبية السيارات تمتلك هذه الأنظمة، مما يفرض الاعتماد على حلول قصيرة المدى مثل تحسين إنفاذ القانون في الوقت الحالي.